النفاق الاجتماعي (ذو الوجهين)

إن من صور النفاق الاجتماعي الشائع في زماننا، التلون في العلاقات وعدم الوضوح في المواقف والمبادئ، إما لغرض الانتفاع الشخصي أو الإفساد.
ولقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الصفة الذميمة بقوله: (تجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه). متفق عليه.
وذو الوجهين يكون مع قوم على صفة، ومع غيرهم على صفة أخرى، فإذا عاشر أهل الصلاح أظهر لهم الصلاح والتقوى والوقوف عند حدود الله، وإذا عاشر الفسَّاق أظهر لهم الفجور وتباهى بالسيئات، يستميل كل قوم بما يُحبون لينال عندهم حظوةً، خلافاً للمؤمن الثابت على صفة واحدة.
وهذه الصفة من كبائر الذنوب التي ورد فيها الذم والوعيد لما تشتمل عليه من الكذب والخداع، وهي من صفات النفاق، وقد ورد في سنن أبي داود: (من كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار). وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (إن ذا اللسانين في الدنيا له لسانان من نار يوم القيامة). رواه ابن أبي شيبة.
وذو الوجهين منافق في العلاقات الاجتماعية، كاذب ومخادع في مبادئه، متلون في مواقفه ومشاعره، ولذلك ثبت في صحيح البخاري قال ناس لابن عمر: (إنا لندخل إِلى أمرائنا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إِذا خرجنا من عندهم، فقال: كنا نعد هذا نفاقاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم).
والمتلون ذو الوجهين يظهر لكل طائفة بوجه ليحقق مصالحه الشخصية ويتقي شرهم ويفوز بغنيمة الدنيا، وبئست الغنيمة.
وذو الوجهين ليس لديه شخصيةً ثابتة، وليس له مبادئ أو قيم، مهزوم من الداخل، نشأ على الكذب والخداع والمراوغة، متأرجح يتمايل على حسب المصالح، تافه، وضيع، وإن تزين واكتسى، مُحتقر في نظر الرجال، أمره مكشوف عند أهل الفراسة والعقل، وإن تخفى وراء الأقنعة المزيفة، وسيفضحه الله يوم القيامة في أعظم مشهد.
وذو الوجهين من أهل الخيانة لا يولى ولاية ولا يؤتمن في مسؤولية ولذلك ورد في الأدب المفرد للبخاري قوله صلى الله عليه وسلم: (لا ينبغي لذي الوجهين أن يكون أمينا).
أما من دارى الطائفتين وتودد لهم لقصد الإصلاح بينهما فستر القبيح في كل طائفة وأظهر الخصال الحسنة فيهما ونقل كلاماً طيباً ومشاعر حسنة ليؤلف بينهما فهذا من الإصلاح ومن الأعمال الجليلة وقد ورد فيه ثواب عظيم وليس هذا من التلون المذموم ولذلك فإن الشارع رخص في الكذب لأجل الإصلاح بين الناس كما ثبت في الصحيحين: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيراً وينمي خيراً).
والمؤمن الحق لا يُطبع قلبه على التلون والنفاق والكذب بل يكون على صفة ثابتة، ومبدأ واضح، وموقف لا يتغير ولا يتبدل لأجل عرض الدنيا، ولا يُضمر السوء بالمسلمين حتى مع المخالفين، وليس بالضرورة أن يميل إلى إحدى الطائفتين فقد يرجح طائفة على أخرى لأجل ما ظهر له من الحق، وقد يكون محايداً بينهما، وقد يكون مخالفاً لهما جميعاً، المهم أنه صادق اللهجة، ناصح واضح المواقف والمشاعر، لا يُنافق ولا يُخادع فيُظهر وجهاً وهو يُبطن وجهاً آخر.
إن ذا الوجهين له ضرر عظيم على المجتمع ويُفسد كثيراً بين الناس خصوصاً بين أهل الخصومات والمشاحنات، عن طريق المدح الكاذب، والتملق الفاجر، وتأجيج الفتن، وقد جر ذلك ويلات على المجتمع، وأوقع محن ومصائب عظيمة قال الحسن البصري: (تولى الحجاج العراق وهو عاقل كيس فما زال الناس يمدحونه حتى صار أحمقاً طائشاً سفيهاً).
وقد وجِدت هذه الصفة الذميمة في واقعنا، في وظائفنا، وأسواقنا، وصحافتنا، وقنواتنا، وكثر التلون والكذب في المواقف والأحاديث، وهذا سببه قلة الورع، وقلة احترام حقوق المسلمين ولذلك تجد الموظف يعتدي على حق أخيه لأجل علاوة أو منصب، وتجده يظلم أخاه ليقف في صف المسئول ليحصل على مصلحة أو ترقية، وتجده يتصيد لأخيه الأخطاء ليظهر أمام المسئول على أنه المؤتمن وحامي الحمى، وهكذا للتلون صور وللنفاق نماذج في كثير من المجالات والميادين، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 
 

مقالات ذات صله

اعلان افقي بين المواضيع 560×100
اعلان افقي بين المواضيع 560×100
تطوير: م. أحمد مصطفى أبو عجوة